اسماعيل بن محمد القونوي
24
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الإثبات قد تعم أو صفة موضحة لأن الصفة التي ترفع الاحتمال تسمى موضحة عند أرباب المعاني ولو نكرة كما أن الصفة التي تقلل الاشتراك تسمى عندهم مخصصة ولو معرفة . قوله : ( ومعناه باعوا ) أي باعوا أنفسهم لأنهم بذلوا أنفسهم بالكفر في الماضي فجعلوا أنفسهم مبيعة وكفرهم ثمنا فاستبدلوها بالكفر وتركوا أنفسهم وأخذوا بدلها الكفر وهذا متحقق منهم غير محتاج إلى التأويل كما في معنى شروا ولما كان الاشتراء من الأضداد حمله أولا على البيع لأنه الظاهر الغير المحتاج إلى التأويل وثانيا حمل على الشراء ولما لم يكن الشراء متحققا في نفس الأمر حاول إلى التأويل فقال ( أو شروا بحسب ظنهم ) الفاسد ( فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا ) الضائعون أنفسهم بإلقائهم الشقاء المؤبد لا المخلصون أنفسهم من العذاب وهو معنى الشراء هنا وعلى التوجيهين الكلام محمول على الاستعارة وتمام الكلام في تفسير قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] إلا أن أنفسهم ذكرت هنا بدل الهدى على تقدير كونه بمعنى باعوا أو بدل الضلالة على تقدير كونه بمعنى شروا فتأمل في توجيه الاستعارة وكن على البصيرة . قوله : ( هو المخصوص بالذم ) وكون أن يكفروا مخصوصا بالذم مع كون اشتروا ماضيا بناء على أنه لحكاية الحال الماضية استحضارا لفعلهم الشنيع أو على أنهما للاستمرار . قوله : ( طلبا لما ليس لهم ) قدم معنى الطلب لأنه أصل معنى البغي الظاهر أن الطالبين له بعض الأحبار والباقون راضون به فأسند إلى الجميع مجازا عقليا . قوله : ( وحسدا ) أي أو أن يكفروا « 1 » حسدا يدل عليه قوله لا ينزل أو حسدوه بلفظة للمقابلة فالمعنى على كونها للسببية بئس شيء اشتروه بسبب أنفسهم أي بسبب تخليصها من العقوبة أن يكفروا فيجب تصرف معنى التسبب المستفاد من الباء إلى ظنهم لا إلى ما في نفس الأمر حيث ظنوا ما ليس بسبب في نفس الأمر سببا للنجاة والفعل في قوله بما فعلوا كناية عن اختيارهم الكفر بدل الإيمان أي ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم بسبب فعلهم ذلك أي بسبب اختيار الكفر على الإيمان . قوله : هو المخصوص بالذم قيل هذا إنما يصح لو قالوا كفروا بلفظ الماضي لظهور أن ما باعوا به أنفسهم واستبدلوا به في الماضي ليس هو أن يكفروا في المستقبل أقول في جوابه إن المقصود ان كفروا لكن جيء بصيغة المضارع استحضارا للصورة الماضية وتصويرا لغرابة كفرهم بعد ما عرفوا الحق من كتابهم التورية وأن متمحضة لمجرد المصدرية متخلفة عن إفادة معنى الاستقبال كما في قولك عجبت من أن ضرب زيد عمرا فإن معناه عجبت من ضرب زيد عمرا .
--> ( 1 ) لكن أكثر أرباب الحواشي ذهبوا إلى أن الحسد تفسير للبغي إذ البغي والطلب إن تعلق بزوال النعمة عن الغير فحسد وإن تعلق التجاوز على الغير فهو ظلم وإن تعلق بالزنا فهو فجور هذا جيد لكن قوله الآتي أو حسدوه لا يلائمه .